شريف حسين يكتب:بيرم التونسى..أسس وإحنا الطالعين(2)
المسلة .. أداة بيرم لمواجهة الحكومة والإحتلال
كان لمجلة المسلة دوراً قوياً أثناء إشتداد ثورة 1919 ونفى سعد زغلول ورفاقه فكانت صوتاً ثورياً رافضاً لظلم المستعمر وقهره وهاجمت الحكومة والإحتلال بضراوة ولم تتوقف المسلة عن الهجوم على رجال الحكومة والأسرة المالكة.
وعندما طالت ايدى الحكومة المسلة أصدر بعدها مجلة "الخازوق" فلم يختلف مصيرها عن مصير المسلة.
عشرون عاماً فى المنفى بين تونس وفرنسا والشام
فى منزله فى درب الطواشى المتفرع من شارع عبد العزيز فى القاهرة وفى إحدى ليالى عيد الأضحى هاجمت منزله قوة بوليسية مع مندوب القنصلية الفرنسية ورحّلوه إلى تونس .
عندما اشتد حنينه لوطنه تسلل من تونس لمصر بعد سنتين من المنفى والتشريد وحاول أن يعيش فى مصر مختفياً، لكنه فشل لأن أمثال بيرم لا يمكن أن يختفى أمرهم طويلاً ،فيقبض عليه ولكن هذه المرة إلى فرنسا ليعمل هناك حمّالاً، وعاملاً فى مصنع صُلب، وفى مصنع بسكويت، ومصنع خمور، وخادماً فى أحد المتاجر .
وأثناء إقامته فى فرنسا مرّت بأزمة مالية عام1932 مما اضطرها لتقليل أعداد العمال غير الفرنسيين والمغتربين بشكل عام فأعادت بيرم إلى تونس مرة ثانية، فشارك فى تونس فى جبهة تقاوم الإستعمار وشارك فى تحرير بعض الصحف التونسية لكنها لم تتسع لآرائة وأفكاره فأصدر مجلة الشباب فأغلقتها السلطات الفرنسية فى تونس وقبضت عليه وأخرجته من تونس منفياَ إلى الشام
لم يدم بيرم طويلً فى سوريا، تحديداً فى دمشق قبض عليه المعتمد الفرنسى هناك ونفاه مرة أخرى إلى فرنسا ووضعوه فى سفينة لتنقله من اللاذقية إلى مارسيليا مروراً ببورسعيد والأسكندرية .. وعندما وتوقفت السفينة فى بورسعيد لتتزوّد بالمؤونة كانت الفرصة سانحة للتسلل إلى مصر مرة أخرى .
شعر بيرم
"إن فن بيرم يمتاز بخصوصية ينفرد بها دون جميع الآثار الأدبية التى بين إيدينا، وهى النفوذ واتساع دائرة المخاطبة، ولم أر أدباً يشترك العامة والخاصة فى تذوقه، واستظهار أطايبه كأدب بيرم، وذلك لما يمتاز به من الجمال، والواقعية، وصفاء الرؤية، ومعايشة الأحداث التى مرّت بنا، وتعقبها، وتسجيلها من الزاوية التى كان يسقط عليها بحسِّه الفنى ثم يقدمها من خلال نظرته الساخرة الثائرة"
طاهر أبو فاشا
يتميز أسلوب بيرم بالسخرية اللاذعة والنظرة الناقدة الناقمة، تلك السخرية التى تدفعك للبكاء إذا تأملتها قليلاً بالرغم من أنك قد تضحك كثيراً فى البداية، وبهذا الأسلوب كان يبدع ويمتع ويضع أنامله على جروح غائرة فينتفض الناس ألماً من كلمة بيرم الضاحكة المؤلة .
كان للترحال والسفر والغربة والمنفى أثراً كبيراً فى حياته، فقد أصبح رجلاً ذو خبرات كبيرة وتجارب كثيرة فكتب عن كل ما رأى، عن السياسة،الفن، عن الشأن العربى، الظواهر الإجتماعية المختلفة كانتشار الوسايط وأطفال الشوارع وتدنى مستوى الفن والفنانين وصراعات الوسط الأدبى
فكتب موجهاً للعرب رسالة نبيلة قائلاً
لما نحالف، لا نحالف، إلا الأخيار
ولما نحارب، لا نحارب، إلا الفجار
دارنا هنا الحرة .. واحنا فيها إحرار
... وكتب فَرِحاً بعد زوال الإمتيازات الأجنبية والمحاكم المختلطة
الأخطبوط المختلط (زال وانجلط) الله لا يرجع له أثر
سلطة أجانب وإمتياز – كان شئ نشاز – فى أرض سكانها بشر
بعد وفاة سيد درويش كتب بيرم عن تدهور الفن وقتها فى قصيدة بعنوان "سيد درويش"
من بعد موته بعام ........ طلعت لنا أقوام
حطوا عليه مَكدَام ..... وقالوا فنه قديم
....
ده فنه لو ينزاع ..... و ف تسجيلات يتباع
لتصبحوا صياع ...... ماتكسبوش مليم
.....
"أنا عشقت" بكام ؟ ...... و"أنا هويت" يا سلام
"ومنيتى" دى غرام ....... أروح معاها غريم
هو العظيم يا ناس ..... فى أرضكم ينداس
والتافه الهلّاس ....... تشبعوه تكريم ؟
وعن ظاهرة أطفال الشوارع كتب
حايفوت أغسطس وسبتمبر، وجاى خريف
يقصف غصون الشجر، لما يهب عنيف
والكون يلفه الظلام، والريح صفيرها مخيف
وانتم يا أطفال حيارى من رصيف لرصيف
...
فى كل روضة الطفولة خدّها ينباس
وانتم خدودكم على سفح التراب تنداس
فايتاكم الناس همل، وانتم ولاد الناس
تتربّوا من غير معلم، أو بدون مصاريف
...
من قبل ما تزخرفوا وتزينوا الميادين
صونوا الطفولة اللى صانوها اللى ما لهم دين
دا طفل ع الأرض يطفى لمعة النياشين
وبقعة تمسح جمالك يا أم بانتاتيف
...
ورسم صورة بديعة لللفلاحة المصرية الأصيلة
ما انساش يابنت الريف ..... فضلك يا شملولة
ع البلاد والناس ..... ياعايشة مجهولة
وإنتى ويمين الله .... السيدة الأولى
اللى لها الحسنات .... والفضل والمنّة
....
تتبدل الموضات .... وانتى ولايهمك
ديل الملس ترخيه .... وتطوحى كمّك
وبيتك المحبوب .... من المِسا يلمك
وتباتى ترضى الله ..... والشرع والسنّة
...
أنهكه مرض الربو وأجهز على ما تبقى من جسده المنهك من تجارب الحياة ومعاناه المنفى وعضّ الفقر لكن روحه الثائرة لم تؤثر فيها مآسى الحياة، ظل حتى آخر لحظات حياته ثائراَ مناضلاً حتى توفى يوم الثلاثاء الأول من يناير عام 1961 تاركاً إرثاً أدبياً ثرياّ وشعراً مقاوماً للظلم ومناوئاَ للقهر . فكان بمثابة مدرسة شعرية قرأها وتعلم منها كل من أتى بعده حتى إن الشاعر الكبير أحمد فؤاد نجم كتب عنه فى قصيدة بعنوان "بيرم"
يا عيون الشعر الصافى
يا بحور هايجين مايجين
ماشيين ف طريقك دايماً
وهنفضل كده ماشيين
ع الدرب اللى انت سلكته
بالليل والناس نايمين
وان كنا نقول ونجود
ونزود فى المضامين
بيكون الفضل لبيرم
أسس وإحنا الطالعين





