حدث فى العام الرابع قبل/بعد الميلاد...لســارة درويش
حدث في العام الرابع بعد ميلادي بك ، أن خطر لي أن أتذكر الأنثى التي كُنتها قبلك .. تحديداً ، قبل أربعة أعوامٍ من الميلاد .
لم أتعمد أن أمحوها من ذاكرتي - أعني أن أمحوني - ولكنني حقاً فشلتُ في تذكرها .
لم أذكر عنها سوى أنها كانت طفلة ، لم تكن طفلة سعيدة ، كانت طفلة عجوز لا تحس للأيام طعماً ولا لون ، تُحِب" الأسود"و"البني" ، تسير مطأطئة الرأس في الطرقات ، تحترف الصمت ، تُدمِن البكاء .
حدث في العام الرابع قبل الميلاد ، أنني كنتُ أظن البكاء رهافة إحساس ، والحزن سمو ، والفرحة سذاجة وقلة وقار .
حدث أنني كنتُ أظن أن هذا العالم على اتساعه لا يحمل ما يستحق البهجة .
حدث الكثير والكثير يا حبيبي ولكنني .. نسيتُ كل شيء ، لم يبق لي مني سوى صورة ضبابية ، تراودني أحياناً فأجخل منها وأضحك متسائلة " أي كائن سخيف كنته ؟؟ "
قبل ميلادي بك بشهورٍ، تخلصتُ تدريجياً ودون شعور من تلك الأخرى ، أصبحت عيني قادرة على إبصار الدنيا بألوانها الأبهى والأجمل ، أدركتُ تدريجياً أن الإنسان الأجمل هو من يحتفظ بدموعه لنفسه ، ويقابل الآخرين بابتسامة وسع الكون لأن كلُ منا يكفيه همه .
كأن الله يُعِدُني لأليق بنُبلِك، لتكون فخوراً بي ، بأني لك .. ومنك .
******
حدث في العام الرابع من ميلادي بك ، أن خطر لي أن أطوف بكل من عرفوني قبل ميلادي ، لألملم صورتي القديمة لديهم وأمزقها ، أن أعتذر لهم عن كل تلك المرات التي وقعت فيها عيونهم علي ولم يجدوا ابتسامة ، وكل تلك المرات التي أهمهم فيها حزني .
خطر لي يا حبيبي أن أشكر كل من وضعوا تلك المآسي الكبيرة في طريقنا لنتشبث ببعضنا أكثر .
أن أشكر الله كل صباحٍ على نعمة وجودك في هذا الكون .. لأجلي .
أن أشكرك على كل تلك اللحظات التي أشعرتني فيها بالأمان ، بالزهو ، بالفرحة الحقيقية .. وحتى تلك اللحظات التي اختصتني بها كي أشاركك فيها حزنك وهمك .
أن أشكرك على كل تلك الآهات التي كتمتها خوفاً علي من الهلع عليك والألم لأجلك والشعور بالعجز .
*****
حدث في العام الرابع من ميلادي بك ، أن حالت بيننا الظروف ، وعجزت عن تقديم هدية العام الجديد لك ، عجزتُ عن أن أسمعك تتمنى لي عاماً ثرياً بالفرحة والحب . لكنني لم أكن حزينة كما توقعت ، فقد وصلتني هداياك مُقدماً .
واحتفلتُ بالعيدِ على طريقتي ، احتضنتُ الوِحدة ، وأخرجتُ كل تذكاراتنا الصغيرة تشبعتُ بها وبكل ما تحمل من حروفٍ ، وصور و أيام . استنشقتُ عبقها وخبأته في صدري طويلاً ثم زفرته بقوةٍ كي يصلك هناك .. في أقصى الأرض .
محملاً بالأمنياتِ الطيبة وكل ما وَسِعَت الأرض من حبٍ وامتنان .
ورددتُ التحية بأجمل منها يا حبيبي ، زُرتني في الحلم ، وربتت ابتسامتك على كَتفي فمحوت بقايا الوجع من قلبي ، وعدتني بغدٍ أجمل ، بعامٍ خامس وسادس وسابع و...... ، بعمر كامل من الحياة الحقيقة .. بك ومعك .
*****
كل عام وأنت .. أنت .





