أنا لا أطلب رحيل الجيش، وساذج من يتخيل أنه يستطيع فصل الجيش عن قيادته، لكن الأكثر سذاجة منه من يستنكف حقنا فى نقد مجلسه الأعلى الحاكم وتقويمه، بصفته رئيس البلاد المؤقت المؤتمن على مرحلة محددة ومحدودة، ذلك عندما يخطئ أخطاء فادحة.
تلك مقولة واجه بها كل العقلاء والمفكرين وجه مقولات أكثر صخبا: إنتوا عايزين تمشّوا الجيش؟! تهدوا العمود الفقرى؟! هذا الحامى الوحيد للبلاد؟! كلام شكله حلو لكن كبيرُه حق يراد به باطل.
دعنا نواجه هذا الموضوع الحرج الشائك ونجرب نفصصه معا: بينما لا نستطيع فصل الجيش عن قيادته فنحن نستطيع فصل قيادة الجيش عن قيادة الدولة، فلو سحبت صفة رئيس البلاد عن المجلس العسكرى وأتيت برئيس مؤقت آخر للبلاد، فى هيئة مجلس رئاسى مدنى، عندها سيتوارى تلقائيا المجلس العسكرى تحت سطح قائد الجيش الذى يعود مرة أخرى إلى كونه وزير الحربية فقط.
ومن ثم تصبح علاقتهما ببعض شأنا داخليا (وزير الحربية ومجلسه الأعلى) ولن نسمع به ولا يجوز لنا أن نسمع به، نحن الشعب، ولا باجتماعاته إلا ربما فى حالات إعلان الحرب على دولة أخرى، وهى حالة نادرة استثنائية يصبح شأنهم حينها شأنا عاما مصيريا.
فما إن عزلت المجلس العسكرى عن دور رئيس البلاد واستبدلت مجلسا آخر مدنيا به، يصبح المجلس العسكرى مختزلا فى شخص قائد الجيش الذى هو أيضا وزير الحربية، حينها لا أتصور أن يتقمِص المجلس العسكرى ويلم جيشه ويمشى ويبرطم قائلا: طب والله ما انا حاميكم.. شوفوا بقى مين اللى هايحميكو!!
لأنه ببساطة الجيش مش بتاعه فالجيش جيش الشعب، جيش الشعب بحكم القانون والدساتير وهيكل أى دولة، هنا سيتحتم على قائد الجيش ووزير الحربية أن يعود إلى دوره الأصلى فيأتمر بأمر رئيس البلاد وينفذ أوامره، لأن حينها( بموجب قوانين ودساتير البلاد) سيصبح القائد الأعلى للقوات المسلحة هو المجلس الرئاسى المدنى البديل بحكم القانون والدستور.
وفى حالة إن لم يمتثل وزير الحربية (قائد الجيش) للأوامر الصادرة له من قائده الأعلى (أى المجلس الرئاسى المدنى البديل القائم بدور رئيس البلاد) فسيُعزل ويُحاكم عسكريا طبقا لقوانين التمرد والعصيان العسكرى.
لو فهمنا الفرق يبقى كفانا خلطا للشأنين. نحن نؤكد أننا نخاطب فى المجلس العسكرى صفة رئيس البلاد المؤقت بمعزل عن صفاته الأخرى (ماليش دعوة لابس آنى بدلة!). رئيس البلاد الذى أصبح موقرا فى عقيدة معظم المحللين السياسيين والمهتمين بالشأن العام، بعد ثمانية أشهر، فإن أداءه فى جملته جاء مخيبا متخبطا ومخذلا وهادما لروح الثورة.
والطبيعى بل والواجب على أى وطنى حر أنه عندما يشاهد أى رئيس يتجاسر على دم المواطنين، أن يعترض عليه بل ويعترض طريقه كمان إن لزم الأمر.
من ١٢ فبراير، من يوم قبضتم على السلطة وإلى يوم ترحلون أو لثكناتكم تنقلبون.. كل روح فقدت بسبب العرقية وكل قتيل سقط نتيجة الانفلات الأمنى، كل كنيسة أُحرقت وكل أذن قطعت بسبب التخاذل الشائن فى تطبيق القانون.. كل محرض طائفى وبلطجى مطلوق تُرك يدمر فى البلاد.. ذلك كله تتحملون مسؤوليته وحدكم أمام الشعب والله والتاريخ.. وحدكم. دى فاتورتكم وهاتحاسبوا عليها والأيام دول.
لا أتفق مع من يستشهدون بالتاريخ على سماحة الإسلام وبينقبوا فى سير الصحابة الصالحين عن مواقف تثبت تقبلهم المسيحيين وحنوهم عليهم، ومسيحى مين أنقذ مسلما وآخر مسلم فدى مسيحيا، واللى بنى جامع كذا مهندس قبطى، ويطلع المفتى يقول مافيش نص يحرم بناء الكنائس.
أراه خطابا استعطافيا قد يزيد الأصوليين طمعا. مايهمنيش رحمتك، مش مطلوب تحبهم وتحضنهم وأنهم فى القلب والروح والنسج الوطنى.. ولا تلبسلى سلسلة فيها هلال وصليب ملحومين فى بعض.. فقط قاتل لتطبيق القانون وتنفيذ العقوبات.. من النهارده قول ماعنديش جرائم فتنة أنا عندى قتلة ومقتولين.. جنائى يعنى والموضوع ينتهى أسرع مما نتخيل.
حديث التهدئة بحجة أن الوطن فى خطر هو كمَن يطفئ نارا بأكوام من القش.. يخمد لحظيا اللهب لكن انتظروا.. انتظروا قليلا وسيزيد القش النار سعيرا ليحرق الجُرن كاملا، من بعد ذلك يأتى اعترافنا جميعا أن للأقباط حقوق مواطنة منقوصة متغاضى عنها وملتفا عليها منذ أكثر من نصف قرن، وأن تورطنا فى السكوت على مهازل ومسرحيات مجالس الصلح البلدى، هو ما جعل الجهلاء الظلاميين المتعصبين يطلبون أكل لحم الأقباط ويروجون له.
المصدر : التحرير





