بلال فضل يكتب : أهم يقسمون رحمت ربك؟
) يعرض المفكر الأستاذ فهمى هويدى فى فصل «الله ليس منحازا لأحد» المنشور فى كتابه الفذ «القرآن والسلطان» للآراء التى تعتقد بوجود تعارض بين الآيتين الكريمتين «ومن يبتغِ غير الإسلام دينا فلن يُقبَل منه وهو فى الآخرة من الخاسرين»، وآية «إن الذين أمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة»، فيقول فى المقتطفات التى أقتطعها لضيق المساحة من كتابه الصادر عن دار «الشروق» منذ سنين طويلة فى بلاد تفضل الجهل السماعى السهل على القراءة التى تستوجب التفكير والتأمل:
«… ومن المفسرين من يخالف الرأى، ويرى أن هذه الآية منسوخة بقول الله تعالى (ومن يبتغِ غير الإسلام دينا فلن يُقبَل منه) (آل عمران – 85). ومن هؤلاء الطبرى وابن كثير وسيد قطب، الذى يشير فى «الظلال» إلى أن (العبرة بحقيقة العقيدة، لا بعصبية جنس أو قوم، وذلك طبعا قبل البعثة المحمدية، أما بعدها فقد تحدد شكل الإيمان الأخير). غير أن محمد عبده ورشيد رضا والشيخ دراز، مثلا، يرون أن الإسلام المقصود به فى الآية، والذى لا يقبل الله سبحانه سواه (هو الإيمان بالله وإسلام القلوب له والإيمان بالآخرة، والعمل الصالح مع الإخلاص)، بتعبير الإمام محمد عبده. وربما ساعدت قراءتنا للسياق على استنباط المعنى الصحيح، فالنص القرآنى فى هذا الموضع يبدأ بالآية: (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا، وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وما أوتى موسى وعيسى والنبيون من ربهم، لا نفرق بين أحد منهم، ونحن له مسلمون» ثم تجىء الآية التى نحن بصددها: (ومن يبتغِ غير الإسلام دينا فلن يُقبَل منه، وهو فى الآخرة من الخاسرين)».
بهذا التصور فإن آية «ومن يبتغ غير الإسلام دينا…» لا تتعارض مع الآية التى نحن بصددها «إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى»، ولا مبرر للقول بأن الآية الأخيرة منسوخة من الأولى. إن العلاقة بين الآيات هنا ليست فقط علاقة تكامل، لا مكان فيها للتناقض أو التناسخ، ولكن هذه العلاقة تنسج فى الوقت ذاته إطارا أمثل لعدالة الله، باعتباره -سبحانه- «رب الناس وملك الناس» جميعا. ويذهب الدكتور محمد عبد الله دراز فى كتابه «الدين – بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديان» إلى أن «الإسلام فى لغة القرآن ليس اسما لدين خاص، وإنما هو اسم للدين المشترك الذى هتف به كل الأنبياء، وانتسب إليه كل أتباع الأنبياء». ويستدل على ذلك بقوله: «هكذا نرى نوحا يقول لقومه «أُمرت أن أكون من المسلمين» -يونس 72- ويعقوب يوصى بنيه «فلا تموتُنّ إلا وأنتم مسلمون» -البقرة ١٣٢- وموسى يقول لقومه «يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين» -يونس ٨٤- بل إن فريقا من أهل الكتاب حين سمعوا القرآن «قالوا آمنا به، إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين» القصص 53.
ويتساءل الدكتور دراز «ما هذا الدين الذى اسمه الإسلام، والذى هو دين كل الأنبياء والرسل؟»، ويجيب الشيخ الجليل عن السؤال قائلا: «إن الذى يقرأ القرآن يعرف كُنه هذا الدين: إنه التوجه إلى الله رب العالمين، فى خضوع خالص لا يشوبه شرك، وفى إيمان واثق مطمئن بكل ما جاء من عنده على أى لسان وفى أى زمان أو مكان، دون تمييز شخصى أو طائفى أو عنصرى بين كتاب وكتاب من كتبه، أو بين رسول ورسول من رسله، وفى هذا المعنى يوجه الله الخطاب: (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا، وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وما أوتى موسى وعيسى والنبيون من ربهم، لا نفرق بين أحد منهم، ونحن له مسلمون) (البقرة 136)». ثم يضيف الدكتور دراز: «غير أن كلمة الإسلام قد أصبح لها فى عرف الناس مدلول معين، هو مجموعة من الشرائع والتعاليم التى جاء بها محمد (ص) أو التى استُنبطت مما جاء به، كما أن كلمة اليهودية أو الموسية تخص شريعة موسى، وما اشتُقّ منها، وكلمة النصرانية أو المسيحية تخص شريعة عيسى وما تفرع منها».
… إن معيار العمل الصالح، وذلك المنهج البالغ التجرد والموضوعية، الذى ينزه الله سبحانه من أن ينحاز أو يحابى فريقا من خلقه دون فريق آخر، هذا المنطلق، إذا كان هو السائد فى الآخرة فهو ينسحب بنفس القدر على الحياة الدنيا. وعندما هُزم المسلمون فى غزوة أحد، حتى شُجّ رأس النبى عليه السلام، ثم فى غزوة حنين، وعندما عُقد لواء النصر للمشركين فى هاتين الغزوتين، لم يكن لنقص فى إيمان المسلمين، وبينهم صحابة النبى، أعرف أهل الأرض بالدين وأحبهم إلى الله. وعلى رأسهم محمد رسول الله، بشخصه ووزنه الهائل فى الدنيا والآخرة، كما أن هذا النصر لم يكن انحيازا للمشركين، ولكنه كان لأسباب موضوعية بحتة. فى أُحُد ذهب فريق من فرسان المسلمين وراء الغنائم، وتركوا ثغرة فى مقدمة جيش المسلمين نفذ منها المشركون وحققوا نصرهم. وفى حنين أصاب المسلمين بعض الغرور («أعجبتهم كثرتهم» بتعبير القرآن) فتقاعسوا فى القتال، وكانت النتيجة لصالح المشركين. فى الغزوتين لم يكن العامل الحاسم فى النصر أو الهزيمة هو الإسلام أو الشرك، لم يكن حب الله لنبيه وصحبه، وبغضه سبحانه للأوثان، لم ترجّح كفةٌ لافتات مرفوعة أو حقوقا مكتسبة، ولكن العامل الحاسم فى النصر أو الهزيمة هو الأداء الجيد، هو استثمار عناصر الموقف إيجابيا لصالح الهدف المرجو. نعم، إن الإيمان الذى وقر فى القلب، والذى صدقه العمل -إذا استخدمنا كلمات الحديث الشريف- عندما اجتمعا لم تقف قوة فى الأرض أمام المسلمين، لكن الإيمان بغير عمل كما ينبغى، لم يغن عن المسلمين شيئا، ولم يحُل دون أن ينفذ قانون السماء العادل المنزه عن أى انحياز… حتى لنبى الله وصفيه وصحابته الأبرار! فى أول رسالة «الحسبة»، يقول شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية: «إن الناس لم يتنازعوا فى أن عاقبة الظلم وخيمة، وعاقبة العدل كريمة، ولهذا يروى أن الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة! والكلام غنى عن أى تعقيب!».
انتهت مقتطفاتى من كتاب الأستاذ فهمى هويدى، ولا يبقى إلا أن أعيد الترحم على ستيف جوبز، وعلى كل إنسان أدّى مهمة الاستخلاف فى الأرض وفعل شيئا ينفع البشرية فاستحق من أجل ذلك رحمة الرحمن الرحيم.
المصدر : التحرير





