فوتوغرافيا...لسارة درويش
لم يكن خلافهما الأول ، ولم يختلف هو عن كل مرة .. لكنها هي التي تغيرت ، كأنها تلقت ضربة قوية على رأسها فأفقدتها الذاكرة أو ربما أعادت لها ذاكرتها و نفسها .
لم تعد قادرة على استيعاب أنانيته أكثر من هذا ، فانفجرت فيه لأول مرة منذ سنوات ، لذا قرر أن يبتعد كي يؤدبها على وقاحتها !
في اليوم التالي تأنقت وتجملت كما تفعل دائماً وهي في طريقها إليه ، ثم اتجهت إلى ورشة التصوير الفوتوغرافي التي كانت سبب خلافهما الأخير ، لم تكن الورشة مهمة بالنسبة لها إلى حد الثورة عليه ، ولكن حين رفض انضمامها إليها دون أي مبرر أو نقاش ولا حتى تفكير , ومضت بذاكرتها فجأة كل الفرص التي أضاعتها بسببه ، وكل الأشياء الجميلة التي كانت تملأ حياتها قبله وهجرتها لأجله .
تذكرت كل المرات التي خيرها فيها بين وجوده في حياتها وبين أشياء صغيرة تافهة لن يضره وجودها في شيء ، بلا أي مبررات .. فقط لأنه يريد ذلك !
" احنا مخدوعين أوي في حاجات كتير في الفوتوغرافيا ، زي ما احنا مخدوعين في الحياة بالظبط ، عشنا طول عمرنا بنعمل حاجات فاكرينها صح ، لكن الحقيقة إنها ما بتعملش أي حاجة غير إنها بتبوظ الصورة وخلاص ....... "
عاشت خمس سنوات مخدوعة فيه ، كانت تفسر أنانيته حباً ، وتحكماته غيرة ، وقسوة كلماته عفوية ووضوح . وكانت تقابل كل هذا بالمزيد من الحب ! يقسو فتحنو ، يعاند فترضخ ، يبتعد فتقترب . كانت تظن أن هذا هو التكامل الذي يقولون أنه ضروري جداً في الحب ، كانت تظن تصرفاتها حكمة لكنها اكتشفت أنها كانت تزيد الأمور سوءاً .
" الزوم مثلاً .. فكرتنا عن الزوم اننا بنخلي العدسة تقرب من العنصر اللي احنا بنصوره ، دي خدعة كبيرة جداً .. احنا مش بنقرب من العنصر إحنا بس ( بنضيق زاوية الرؤية عليه ) علشان ما نشوفش حاجة تانية ونركز أكتر عليه هو وبس .. فبنتخيل اننا قربنا منه "
تَصّبَرت كثيراً بوهم أنه الأقرب لها وأنها الأقرب له ، لذا عليها أن تتحمل قليلاً لأن تفاهمهما يستحق . ظنت أنها عرفت كل تفصيلة في شخصيته . الآن فقط اكتشفت أنها فقط أغلقت مجال رؤيتها عليه ، لم تعرف غيره ، لا نساء ولا رجال ، كان الأوحد في عالمها ، زملائها في العمل تجنبتهم بكل الطرق الممكنة ، أهملت صديقاتها لأجله ، خسرت الكثيرين بسبب معاملتها الغير ودودة ، وهو لم يخسر أي شيء ليوهمها حتى أنه لها وحدها !
" في حاجات بنشوفها في الصورة كبيرة جداً والحقيقة انها صغيرة ، وحاجات بنشوفها صغيرة رغم انها في الحقيقة كبيرة .. الفكرة كلها في زاوية الرؤية .... "
رأى الجميع أنها تعطيه أكثر من حقه ، ولم تصدقهم أبداً .. كانت تظن أنها الوحيدة التي تعرف قدره الحقيقي ، لأنها تظن أنها الأقرب له ، كانت تظن أنهم يرونه بعين الحاقد ، اكتشفت فجأة أنها الوحيدة التي تحتاج لرؤيته من زاوية طبيعية !
" في حاجات ممكن تبوظ الصورة لو ظهرت ، علشان نتخلص منها من غير ما نغير زاوية الرؤية ممكن نعمل زوم على عنصر تاني في الصورة .. "
الآن فقط عَرِفَت كيف تتخلص منه !





