محمود حسن يكتب: طز فيكم .. وفي الشهداء بتوعكم
كان شخصاً خسيساً للغاية، فبعدما ظل يتودد لهم لنصف ساعة كي يسمحوا له بالمرور على الموتسيكل الذي يقوده، وحين أبتعد قليلاً، نظر خلفه ، وعندما أحس أنه بعيداً عن متناول ايديهم لحد مطمئـِن صاح فيهم ..طز فيكم وفي الشهداء بتوعكم.. ثم فر هارباً ..
حاولوا اللحاق به، جروا وراءه قليلاً وحين فشلوا عادوا خائبين، مشتعلين اكثر، وأكثر عزماً ألا يسمحوا لكائن ما بأن يمر.
الفترة القليلة التي قضيتها بينهم كانت قليلاً من الهتاف ، وكثيراً من الإشتباكات بينهم وبين اصحاب السيارات الذين يريدون المرور فيما يغلق هؤلاء لليوم الثاني على التوالي الطريق أمامهم ..
أتوا من كل محافظات مصر وقرروا أن يبقوا هنا ويعتصموا ، اسأل أحدهم .." ناويين تقعدوا لغاية أمتى ؟؟ " ، يرد " لغاية جلسة المحاكمة اللي جاية" ..اسأله ،" ودي أمتى يا حاج ؟؟ "، يرد "في شهر أكتوبر" ، أرد مستعجباً "حتقعدوا الصيف كله هنا ؟؟ "، يرد " حنقعد العمر كله هنا .. دول ولادنا يا بيه .. عارف يعني أيه ولادنا ؟؟ " ، اتمتم .. عارف يا حاج .. ربنا يعين .
أهالي الشهداء الذين اتوا من كل محافظات مصر ليعتصموا أمام ماسبيرو ، المبنى الذي صار قبلة المعتصمين ، تملأ وجوههم حسرة وقهر، فثمة دماء مراقهة ومحاكمات هزلية ، وشعب يريد أن ينسى ، يقترب واحد منهم مني ، يحمل صورة أبنه ، يعلقها في رقبته ، يبدو أبنه وسيماً لحد ما، يقترب ويرفع صوته في وجهي .. ده بلطجي ؟؟ ، ده بلطجي ؟؟ ، ده كان محامي يا بيه .. دفعت دم قلبي كله علشان اشوفه راجل كبير خريج جامعة ، وقبل ما يتخرج يقتلوه ، وبعدين يقولوا بلطجي .. حرام والله ..
تشي الوجوه مع الحسرة والقهر بالفقر .. أيضاً ، التقيت العديد من أهالي الشهداء بعد الثورة مباشرة ، وخلال الأيام القليلة الماضية اتيحت لي الفرصة أن اخرج من نطاق الأسكندرية وألتقي عددا من أهالي الشهداء في السويس والقاهرة ، لا أجد شيئاً يجمع كل هؤلاء سوى الفقر المذل ، ذلك الذي وقف امام أحلام الأبناء الشباب حاجزاً مذلاً ومؤلماً ، يقتل الحلم .. حتى قبل أن يولد ..
وكأن الرصاص كان يختار حين أنطلق ، أو كأن الحقيقة ، أننا نحن ابناء الطبقة الوسطى كنا نتوارى ، أملاً في الحفاظ على هامش متاح من الحياة ، أما هؤلاء فلم يكن هناك من الحياة أي هامش فتساوى الموت والحياة عندهم، فكانوا أبناء الصفوف الأولى، وكانوا هم ابناء الموت، وكانوا هم الشهداء .
حين رحل مبارك ظن هؤلاء أن القصاص قريب من الذين قتلوا ابناؤهم ، لكن الأمور كانت تطور لغير ذلك ، فمديري الأمن الذين كانوا يشرفون على عمليات القتل ترقوا ، واصبحوا مساعدي وزراء ، بعض الضباط نقلوا من أماكنهم ، والبعض الآخر يحاكم اليوم محاكمة لا ترضي نفوس الأهالي الثائرين ..
الأثنين الماضي ، اصدر القاضي في قضية قتل المتظاهرين في الإسكندرية قراراً بإخلاء سبيل الضباط المتهمين بقتل الشهداء ، ومن بينهم إيفان الرهيب ، أو وائل الكومي الذي قتل وحده 37 شخصاً .. ، وزير الداخلية قال إن الذين كانوا يهاجمون الأقسام لم يكونوا سوى البلطجية ، وتمادى وكأنه أمتلك سجلات الجنة فصرح بأنهم ليسوا شهداء ..
في الشارع ، ثمة قسم من الناس من الكبر بحيث لا يمكن تجاهله يعتقد بأن عدداً كبيراً من الذين قضوا في 28 يناير هم بلطجية ، وهناك قسم أكبر ينادي بإنه " خلاص بقى " علشان حال البلد يمشي هؤلاء بالمناسبة ليسوا من ابناء الطبقة التي تمتلك اللابتوب وتجلس على الإنترنت فقط ، هؤلاء أيضاً لو كانوا ماتوا في تلك التظاهرات كانوا سيعدون في عداد البلطجية ..
تمسك كتفي امرأة عجوز ، ترتدي ملابس صعيدية سوداء، عيناها تكادان تكونا ممحيتا اللون ، من طول عمر ربما ، أو من كثرة بكاء ، تأخذني بعيداً عن الجمع المحتشد ، نفس الحكايات المتشابهة ، وحيدها الذي مات ، اطلقوا عليه الرصاص المطاطي عند قسم مينا البصل ، أو " كراكون البصل " ، كما تطلق عليه ، تقول أنها اتت من الأسكندرية ، ولن تعود حتى تعرف من قتل أبنها وتراه خلف القضبان ، تقول عندي أبنين ، واحد عقله تعبان محجوز في " المعمورة " ( مستشفى الأمراض العقلية في الإسكندرية ) ، والتاني قتلوه، اللي كان بيصرف علي وعلى أخوه قتلوه ...تبكي ، يحتضنها الناس من حولها ويقبلون رأسها ، فتقبلهم واحداً واحد.
ارى في الوجوه وجوهاً كثيرة اعرفها من الإسكندرية ، أرى الوجوه التي كنا نقول عنها وجوهاً مريبة ، وكنا نراقبهم في التظاهرات التي تلت الثورة خوفاً من أن يكونوا " المندسين " الذين يتحدثون عنهم ليل نهار، أشعر بالخزي، نحن أيضاً توطأنا في لحظة ما، وتكلمنا عن الناس " اللي شكلها وحش " ، نسيت العربجي الذي اتى بالعربة الكارو يحمل الطوب امامنا يوم جمعة الغضب لكي يمكننا من مواجهة الأمن المركزي ، الباعة الجائلين الذين ساروا معنا من عند المعهد الديني بدلاً من أن يقفوا على أكل عيشهم، الشاب الذي عندما طالبته بأن يهتف قال إنه هوا وصحابه مالهمش في الهتاف ، "إحنا جايبين السكاكين علشان نجيب من الآخر "، الشباب الذي أعتقل كتيبة الأمن المركزي في شارع 45 وصنع منها درعاً بشرياً في مواجهة بقية كتائب الأمن المركزي ، هؤلاء الذين صنعوا يوم 28 يناير ، هؤلاء الذين اعتدنا أن نقول " شكلهم وحش " ، هؤلاء الذين يقطعون الكورنيش أمام ماسبيرو حسرة على أولادهم واخواتهم الضائعين، وهؤلاء أيضاً الذين ستضربهم الشرطة العسكرية في لحظة ما قد تكون قريبة جداً ، سيتهف البعض ساعتها بأن الجيش والشعب إيد واحدة، سيجد آخرون مسوغاً لهذا بأنهم عطلوا البلد ووقفوا حال الناس، وسيتجاهل بعضنا الأمر ، وسيتكلم بعضنا قليلاً ثم يصمت كثيراً .. وننسى ، لم يعرفوا مثل كل الأشياء التي تنسى في هذا الوطن وما كان لها أن تُنسى .
الرجل الذي مر بالموتسيكل اليوم وقال لهم طز فيكم وفي شهدائكم .. ليس إلا واحداً في بلد وإن لم تقلها بالفم فلسان حالها يقولها وبالفم المليان .. طز فيكم ..
لينك Note محمد
https://www.facebook.com/notes/mahmoud-m-hassan/%D8%B7%D8%B2-%D9%81%D9%8A%D9%83%D9%85-%D9%88%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%87%D8%AF%D8%A7%D8%A1-%D8%A8%D8%AA%D9%88%D8%B9%D9%83%D9%85/10150288626326550





