طارق الصايغ يكتب: الثورة ما بين التحريم والوجوب والحتمية
بعد ما يقرب من خمسة أشهر على مرور ثورة 25 يناير المجيدة - من وجهة نظرى الشخصية -مازال الوضع مشابها لما كان الأمر عليه بعد جمعة الغضب .. فالناس على مذهبين فيما يتعلق بتقبلهم لها وجدواها وحتى نتائجها .. والمذهبين و وجهتى النظر هما : وجهة النظر الرافضة للثورة والتى ترى فيها نوعا من العبث الذى قد يصل الى العبث الطفولى هبوطا, أو يصل الى العبث التدميرى الفوضوى صعودا .. من هؤلاء من كان مقتنعا بذلك منذ بدأ الثورة والى الآن، ومنهم من كان ملتزما الحيادية، أو لم يكن محدد الرأى بعد ثم استقر الى هذا الرأى أخيرا.
المذهب الثانى : وهو مذهب المدافعين عن الثورة، سواء شارك فيها وفى أحداثها وتضامن معها فعليا، او أيدها بقلبه وتمنى لها النجاح، ومن هؤلاء أيضا من تذبذت رؤيته مع بداياتها واستقر الى جانبها فى النهاية .
المذهب الأول الرافض للثورة نراه هنا محرما للثورة كفكرة تجلب الخراب والفوضى والدمار، وتقضى على حالة الاستقرار -طبقا لوجهة نظرهم - اضافة الى مجموعة من الممارسات والوضاع التى لا ترضيهم، مثل اهانة رموز سياسية واجتماعية وتاريخية ربما، لا يصح بحال من الأحوال ان نكون ندا لها أو أن نقف لها موقف الجلاد .. يحرم هذا المذهب أيضا العديد من الأفكار التى يعتبرونها دخيلة علينا، مثل التغيير والتجريب وتعلم الأخطاء وتصحيحها والمخاطرة بمالا قد يحمد عقباه ولا يتوقع منتهاه، والأهم من ذلك تحريم الحرية التى يرى معتنقوا هذا المذهب أنها فكرة لا تناسب المصريين ولا تصب فى مصلحتهم، ولا يمكن أن يحسنوا استغلالها أو فهمها بأى شكل من الأشكال.
المذهب الثانى من ناحية أخرى يرى بوجوب الثورة وفرضيتها، فهى فرض على كل مصري بالغ عاقل واع لما كان
يدور فى البلاد من فساد وطغيان وقمع وسرقة طالت كل مكان وجعلت السنين كلها عجاف .. يرى أيضا معتنقى هذا المذهب وجوب تقبل كل ما أفرزته الثورة من حسنات وسيئات، ومن ايجابات وتغيرات بل وحتى ما قد يصفه البعض بالنكبات .. فما كنا لنتوقع تغيير دون دفع ضريبة مكلفة، وما نجاح وانتصار دون تعب وعرق ودماء.
والآن .. بعيدا عن من يؤيد الثورة أو يعارضها، ومن يؤيد استمرارها متمثلة فى الاحتجاجات والتظاهرات ومن يحرمها .. ماذا عن فكرة أن كل ما جرى وحدث هو أمر لم يكون بيدنا لنمنعه أو نوقفه؟ ليس فقط لأنه القدر وأنه مكتوب أن يحدث واقعا .. لكن أقصد هنا أنه حتمية تاريخية واجتماعية وسياسية، بل ونفسية وبيولوجية أيضا.
فالأمر ليس متعلقا فقط بما يسميه البعض صبر المصريين الذى ينفذ عند تاجاوز حدود معينة، وليس الأمر هنا هو الرغبة فى التغيير .. بل الأمر هو وصول النفوس والعقول والأجساد الى حالة من التشبع السلبى، تشبعت النفوس قهرا وظلما وفسادا، وتشبعت العقول تسميما وهراءا واستفزازا وتدليسا .. وتشبعت الأجساد تزاحما وتكدسا وأمراضا وتعذيبا وجوعا وتجويعا .. كل هذا كفيل بأن يتحول الأمر منطقيا ودون أى تفسير فلسفى أو أخلاقى الى احد شيئان : انهيار أو انفجار .. وكان الانفجار
فهناك عقول جديدة متفتحة راغبة فى المعرفة والانفتاح والتقدم والعمل، ملت مما درسته فى دار علم عتيقة ميتة ومميتة، وسمعته فى وسائل اعلام رخيصة ومبتذلة، وتربت عليه من مبادئ هى الخوف والجبن وخشية الكبير والسلطة .. هذه العقول والنفوس والاجساد الفتية وان كانت قلة، لكنها تملك من التقنية والفكر المنهجى المنظم ما يمكنها من نشر الفكرة .. فكرة الانفجار.
هذه العوامل كلها جنبا الى جنب مع شحنة غضب عاتية، وأوضاع متدهورة، كفيل بأن يجعلهم يهبون .. والأمر حتمى أيضا فيما حدث من اصرار واستمرار ضد النظام .. لأنه لا سبيل لكهل أصابه الجنون والخرف أن يقضى على شاب ممتلئ نشاطا واصرارا ورغبة فى الحياة .. اذن فالثورة لم تكن فقط اختيار شعب وارادة الاغلبية فى الامة، بل كانت حتمية واقعية واجتماعية وتاريخية .. وسقوط النظام كان حتمى، فلا أحد يتحدى الطبيعة، وكهولة النظام وجنونه طبيعة حتمية لعمره الذى اوشك على الانتهاء، وللتخمة التى اصيبت به معدته الاقتصادية الناهبة وجهازه التنفسى السياسى الفاسد الذى لم يعد يستطيع أن يستنشق أكثر من ذلك .. فسقط النظام
والآن وبعد أربع شهر على الثورة، ومع المطالبات والدعوات لضغوط جديدة بهدف محاكمة سفاحى ومسجلى خطر النظام، فاننى أرى من الغريب أن يخرج معلقا وصارخا بأن البلد ينهار، وأن الحال يرثى له، وأنه العمل الآن هو الواجب, والتظاهر هو الحرام والاثم والخيانة العظمى .. ان الأمر هو مرة أخرى حتمية طبيعية لا مجال لتبريره فى الاساس و الدفاع عن اهدافه ونقاء نيته .. فمن قتل يقتل، ومن وضع فى السجن يخلى سبيله بريئا أو يحاكم مذنبا .. ومن الحتمى أيضا ان يكون القصاص سريعا، لأنه وكما كانت الثورة سريعة قوية فى اطاحتها بالنظام، فانها تستلزم عدالة لا تقل سرعة عنها .. انها العدالة الثورية .. شئ أخير من الحتميات التى يجب أن نعيها، لو ان محاكمة النظام السابق ورموزه وصلت الى درجة التطرف والقسوة، فهذا ليس بشئ خاطئ أو يدعو للاستنكار : لأنه يجب ن يكونو عبرة .. عبرة لمن لا يعتبر، وعبرة لمن يأتى لسدة الحكم والسلطة بعدهم





